Social Media Icons

Visit Us On FacebookVisit Us On Google PlusVisit Us On TwitterVisit Us On Youtube

السفير : دعم الحسن للسائقين العموميين يفوق كلفة تفعيل المصلحة بثلاثة أضعاف

دعم الحسن للسائقين العموميين يفوق كلفة تفعيل المصلحة بثلاثة أضعاف
القطاع الخاص يحتكر النقل المشترك.. ولا إرادة سياسية لتفعيل «العام»
السفير – سعدى علوه
يبلغ عدد حافلات النقل العام التابعة لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، التي تسير في الطرق والشوارع اللبنانية منذ عام ونصف عام تقريباً.. صفرا. وهو واقع لا ينسجم مع تاريخ إطلاق مصلحة سكك الحديد في لبنان، التي ولدت قبل مئة وخمسة عشر عاماً لتكون وسيلة «النقل المشترك» الأولى في المنطقة، آنذاك.
إلا أن الرقم صفرا ينسجم مع الإرادة السياسية السائدة في البلاد، لناحية إهمال قطاعات الخدمات العامة كلها، وعلى رأسها مصلحة النقل المشترك، بذريعة «عدم الربحية»، بينما تنمو شركات القطاع الخاص وحافلاته، وتتراكم أرباحها، في «عزّ ودلال» الأطراف السياسية التي تدعمها، لا بل تتبناها، وتهيئ لها الظروف المؤاتية، وعلى رأسها القضاء على النقل العام الرسمي.
وتكفي الإشارة إلى أن البند المتعلق بمصلحة النقل المشترك هو الذي يحول دون إقرار خطة تنظيم النقل العام في لبنان الموجودة في مجلس الوزراء منذ ثلاث سنوات، ليتبيّن حجم الخلاف القائم بين من يدعو إلى تفعيل النقل العام في البلاد، من جهة، وبين من يفضّل إيكال الأمر للقطاع الخاص، الذي يحتكر حالياً «النقل» الحيوي والمنتج، من جهة أخرى.
والغريب أن تباين المواقف يأتي في وقت يدرك فيه الجميع أن أي حل لمشكلة النقل والبيئة والتخفيف من الأعباء الاقتصادية على المواطنين، لا يكون إلا بنقل مشترك فعال ومنظم.
>وها هو وزير الأشغال العامة غازي العريضي يخرج، في لحظة الإعلان عن آلية دعم السائقين العموميين، ليقول إن مئة وخمسين مليار ليرة، وهي كلفة دعم السائقين، تفوق بثلاثة أضعاف كلفة تفعيل النقل المشترك، وشراء الحافلات الذي أقرّ في العام 2004، أيام حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مسجلاً اعتراضاً ضمنياً على التسوية التي توصلت إليها وزيرة المالية ريا الحسن.
وعبَّر العريضي أكثر من مرة عن أسفه لأن «بعض من يتعاطى السياسة يخلط بين الأمور ويصفّي حسابات، إذ هناك ضغوط باتجاه عدم بتّ الخطة، بسبب العناد في رفض تفعيل المصلحة، ورفض تنفيذ القرار بشراء 250 حافلة، الذي اتخذ في العام 2004».
وإذا كان الوزير العريضي قد أشار في أكثر من حديث إعلامي إلى رفض الرئيس فؤاد السنيورة تفعيل مصلحة النقل المشترك منذ ذلك الحين، ولغاية اليوم على ما يبدو، فإن الأخير لم يخف موقفه من النقل العام منذ أن كان وزيراًً للمالية في حكومات الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وصولاً إلى دعوته إلى إلغاء المؤسسة «لأنها مؤسسة خاسرة، وتكلف الدولة أكثر مما تعود عليها».
وربما ينسى الداعون إلى إلغاء مصلحة النقل المشترك، ومعها النقل العام في لبنان، ومن بينهم الرئيس السنيورة نفسه، أن المؤسسة تلقت الضربة القاضية مع صفقة حافلات «الكاروسا» التي أبرمت أيام كان السنيورة وزيراً للمالية في حكومة الرئيس الحريري في العام 1997.
يومها، اشترت الدولة اللبنانية مئتي حافلة «كاروسا» من تشيكوسلوفاكيا، والأهم أن مئة حافلة، أي نسبة 50 في المئة من حافلات الصفقة، وصلتنا معطّلة، وجرى قطرها من مرفأ بيروت إلى حرم المصلحة في مار مخايل، بسبب الأعطال التي حالت دون سيرها.
ولم تمض أيام قليلة حتى برزت أعطال إضافية في الحافلات الأخرى، ما أغرق المصلحة بمزيد من الأعباء المادية، والتعطيل، في ظل نقص كبير في عدد الحافلات المسيَّرة.
وتلقت المؤسسة ضربة ثانية من الفريق السياسي عينه عندما جرى تعيين خمسمئة موظف في ملاكها من دون الحاجة إليهم في ذلك الوقت، (بعد شراء الحافلات)، لتتحمل أعباء رواتبهم والضمانات المرافقة، في ما بدا يومها «صفقة» توافق سياسية بين الأطراف المسيطرة على الساحة السياسية، ومن دون موافقة مجلس الخدمة المدنية المعني بالتوظيف.
>وأدى التوظيف العشوائي والمخالف للقانون إلى إرهاق المصلحة، وصرف نسبة تسعين في المئة من موازنتها على الرواتب ومتمماتها، كما يؤكد المدير العام السابق لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك رضوان بونصر الدين لـ«السفير».
وأضيف فائض موظفي السكك الحديد، إلى كادر «مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك»، علماً أنهم متوقفون عن العمل منذ توقف القطارات. وقد يفيد التذكير بـ«الصفقة» المشبوهة التي عقدت يومها أيضاً، وقضت بتأجير إحدى شركات النقل الخاصة مساحة خمسة عشر ألف متر مربع من مواقف المصلحة في «بورة» ساعة العبد بألف ليرة في السنة لمدة عشر سنوات. واليوم، تملأ حافلات تلك الشركة الشوارع اللبنانية، فيما نجد حافلات المصلحة مرمية في «بور» الخردة.
>ولم ينس موظفو المصلحة غض النظر الرسمي عن تجاوزات القطاع الخاص بحقها، وخصوصاً شبه سرقة إحدى الدراسات التي كلّف انجازها المصلحة ما لا يقل عن مليون دولار، وذهبت لصالح تفعيل إحدى الشركات الخاصة، ليسألوا عن هوية الشريك في القطاع الخاص.
وبذلك، تحوّلت المصلحة من مؤسسة رابحة، أو على الأقل مكتفية، خلال منتصف سبعينيات القرن الماضي، ومع بداية الحرب الأهلية، إلى مصلحة مديونة للدولة بمليارات الليرات (وصل دين المصلحة في العام 2002 إلى حوالى 151 مليار ليرة لبنانية).
واليوم، يقول المدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك بالوكالة بسام العريضي لـ«السفير» إن المؤسسة تحصل على دعم من الدولة لدفع رواتب الموظفين وبعض المصاريف والاستحقاقات الأخرى.
وفي مقابل عدم الموافقة على تنفيذ قرار مجلس الوزراء في العام 2004 بتخصيص مبلغ 50 مليار ليرة لبنانية لشراء 250 حافلة لتفعيل مصلحة النقل المشترك، علماً أن ميزانيتها تبلغ 22 مليار ليرة، وصلت المبالغ التي دفعت على المصلحة منذ العام 2004 ولغاية العام 2011 (أي خلال سبع سنوات)، 84 مليار ليرة، بينما المصلحة متوقفة عن العمل.
وأشار الوزير العريضي إلى أن المبلغ المذكور، عندما تضاف إليه التعويضات العائلية والضمان الاجتماعي، يصل إلى قيمة مئة مليار ليرة، أي ضعف المبلغ الذي كانت المصلحة تحتاجه لشراء الحافلات، وقد ذهب هدراً. ويقول العريضي: «لو اشترينا الحافلات في حينه، لكنّا عالجنا قسماً كبيراً من المشكلة على مستوى ارتفاع أسعار المحروقات»، ليستنتج أن المسؤولين «فوتوا الفرصة نتيجة العناد». وفي سياق تأكيده المنحى الراغب بخصخصة المصلحة، أكد الوزير العريضي أنه «عُرض» عليه، منذ فترة قصيرة، أن «يتولى القطاع الخاص تسيير النقل المشترك»، لكنه رفض ذلك.
ربح في «الخاص» وخسارة في «العام»
مع ارتفاع أسعار الوقود، رفعت شركات القطاع الخاص تعرفة النقل بالحافلات إلى ألف وخمسمئة ليرة لبنانية، لتقترب من تسعيرة «السرفيس» المحددة بألفي ليرة، ما يبرهن احتكار الشركات الخاصة لحركة تنقل الركاب، واستباحتها للسوق في ظل تعطل حافلات النقل العام التابع لمصلحة النقل المشترك وتوقفها عن العمل نهائياً، في وقت كانت تسعيرة النقل العام قد حددت في العام 2009 بسبعمئة وخمسين ليرة لبنانية.
ويشدد مدير عام المصلحة بالوكالة بسام العريضي لـ«السفير» على «عدم جواز حرمان اللبنانيين من النقل المشترك الذي يربط المناطق ببعضها، كونه حقاً بديهياً للمواطنين»، مشيراً إلى أن «المصلحة بصدد إصلاح 35 حافلة من نوع ميتسوبيشي»، كان القصر الجمهوري قد وهبها للمصلحة أيام الرئيس لحود، تمهيداً لتسييرها في السوق.
ويشير العريضي إلى أن المواطنين يفضلون النقل العام التابع للدولة لأنه الأكثر أماناً، وهو خدمة للشعب وليس مؤسسة ربحية، كما أن المصلحة تؤمن خطوطاً يعتبرها القطاع الخاص غير مربحة، فيهملها.
ويتوقف العريضي عند دور القطاع العام في ضبط تعرفة الحافلات الخاصة، عبر الالتزام بالتسعيرة التي تحددها الدولة.
ويرى العريضي أن السوق يستوعب خمسمئة حافلة، بالإضافة إلى العدد المتوفر حالياً، لافتاً إلى وجود الكثير من الحافلات الخاصة غير القانونية في السوق.
ويحدد العريضي مطالب المصلحة بـ«شراء حافلات جديدة بمواصفات فنية، وتأمين العدد الكافي لتسيير حافلات إلى أقصى الشمال والبقاع والجنوب، وفي داخل مناطق بيروت وجبل لبنان، وعدم التفكير بربحية المؤسسة بل في تأمينها كلفة التسيير والعمل، واكتفائها، وتعزيز الكادر الوظيفي كون أعمار معظم السائقين أصبحت في الستين وما فوق، وإنصاف ملاك المصلحة الحالي كون السائقين والموظفين يكلفون بمهام إضافية وبملء مراكز شاغرة من دون تعديل الرتبة والراتب».
ويحدد المدير العام السابق لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك رضوان بونصر الدين المواصفات الفنية للحافلات التي تلائم طبيعة ومناخ لبنان بالإشارة إلى أن «المحرك يجب أن يدور على 82 درجة مئوية، وأن تتحمل تقنياً الطبيعة الجغرافية للبنان لناحية الطرق الجبلية والمرتفعات». ويشير بونصر الدين إلى أن حافلات صفقة «الكاروسا» التي أحضرت إلى لبنان لم تكن تتناسب مع طبيعة مناخه وتضاريسه، وجاءت مختلفة عن مواصفات الحافلة النموذج التي قدمت للمصلحة على أنها نموذج لحافلات الصفقة كلها: «ففي اليوم الذي وصلت فيه المئتي حافلة، اختفت الحافلة النموذج وسحبت من المصلحة إلى غير رجعة»، وفق ما يؤكد بونصر الدين.
قباني: دور لـ«العام»، لا احتكار
>من جهته، يعبِّر رئيس لجنة الأشغال النيابية النائب محمد قباني عن تفهمه لأن «تكون مصلحة النقل المشترك جزءاً من خطة النقل، وأن يكون لها دور منافس في حقل النقل العام، ولكن لا أن تحتكره، بل أن تنافس وتساعد على ضبط التعرفة».
>ويشير النائب قباني إلى أن «كل سوق النقل العام والخاص والنقل بالحافلات و«الميني باص» يستوعب نسبة تقارب ثلاثين في المئة من مجمل الركاب المتنقلين في لبنان»، لافتاً إلى أن «الخطة العامة تبدأ من معرفة حاجات السوق، وبالتالي تحديد حجمي القطاع الخاص والقطاع العام». ويتوقف قباني عند اهمية إعادة العمل بسكك الحديد بعد تأهيلها وتفعيلها، ومن بينها، بشكل اساسي، الخط الساحلي شمالاً (إلى العبودية عند الحدود السورية)، وجنوباً (على الأقل إلى صور)، مثلما كانت الحال من قبل.
ويرى قباني أن النهوض بالمصلحة «يكون عبر خطة تدرس الطريقة الأفضل لإدارة وتشغيل المصلحة وتفعيل المحاسبة الوظيفية والإدارة الفعالة»، مشيراً إلى أن «هناك نظرة إلى أن الدولة ملك عام يمكن التصرف فيه، حيث تبلغ كلفة الراكب سبعة إلى ثمانية آلاف ليرة في مصلحة النقل المشترك، بينما يربح القطاع الخاص بألف أو ألف وخمسمئة ليرة لتعرفة الراكب».
ويستنتج قباني أن ما يحصل «كله فساد بفساد»، محملاً «الدولة بكل من فيها، وعلى المستويات كافة، المسؤولية، لأن المال العام سائب». ويتوقف قباني عند غياب «الحس بالمسؤولية وتراجع المحاسبة»، مشيراً إلى أن بعض السائقين كانوا أنفسهم من يقومون بتعطيل الحافلات لكي لا يعملوا».
موظفو المصلحة
في المقابل، يستنكر رئيس نقابة عمال ومستخدمي مصلحة النقل المشترك ريمون فلفلي «الوضع غير المحتمل الذي بلغته المصلحة»، نافياً أن يتحمل أي من موظفيها وعمالها المسؤولية. ويقول فلفلي أن «العمال والمستخدمين قاموا دائماً بعملهم، وما حصل جاء نتيجة لسياسات الحكومات المتعاقبة التي همشت قطاع النقل العام في لبنان».
ويطالب فلفلي بتنفيذ قرار مجلس الوزراء القاضي بشراء 250 حافلة جديدة، وبتسوية أوضاع جميع المستخدمين المكلفين بوظائف قيادية وغيرها، من دون تعديل في الرتب والرواتب، وصرف بدل ألبسة لجميع المعينين في المصلحة، ما توقّف منذ 15 عاماً، وتسوية أوضاع الأجراء في المصلحة ومساواتهم بالمستخدمين لجهة الاستفادة من سلسلة الرتب والرواتب الجديدة، وبيع جميع الحافلات القديمة كخردة واستعمال المال لشراء أخرى جديد.

Comments are closed.