Social Media Icons

Visit Us On FacebookVisit Us On Google PlusVisit Us On TwitterVisit Us On Youtube

السفير: التنصل من الإلتزامات المناخية

حبيب معلوف
تفاعلت قضية انسحاب كندا من بروتوكول كيوتو داخل كندا نفسها أكثر من تفاعلها في العالم. فقد شرعت المحكمة الاتحادية الكندية الأسبوع الماضي قرار الحكومة الكندية الانسحاب من بروتوكول كيوتو في تطور لافت ومؤثر على محادثات المناخ التي ستعقد نهاية العام في قطر. وقال القاضي سيمون نويل ان الحكومة لم تكن بحاجة لاستشارة البرلمان الكندي على قرارها بالانسحاب من البروتوكول. وقد جاء هذا الحكم القضائي بعد الضجة الكبيرة الذي تركها هذا القرار نهاية العام الماضي (عشية انتهاء الجولة الـ17 من المفاوضات الدولية التي عقدت في دوربان في جنوب افريقيا) والمراجعة التي قام بها أساتذة في الحقوق ومحامون وطلاب ومنظمات بيئية للاعتراض على قرار الحكومة الخطير بالانسحاب، والتسجيل على الدولة الكندية بأنها أول الدول في العالم التي انسحبت من بروتوكول دولي يتعلق بتغير المناخ العالمي، مع العلم ان هذا البروتوكول كان قد صدق عليه البرلمان أيضا حتى أصبح نافذا.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحا الذي يطرح الآن: ما هو تفسير وتأثير انسحاب كندا من بروتوكول كيوتو بعد ان أصبح رسميا؟
إنها المرة الأولى في تاريخ المفاوضات المناخية العالمية ان تعلن دولة من الأطراف في الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ (التي صدقت على بروتوكول كيوتو) انسحابها رسميا من البروتوكول، الإطار القانوني الوحيد في العالم المتعلق بقضية تغير المناخ والذي نص على إجراءات ملزمة للتخفيف من الانبعاثات المؤثرة على تغير المناخ. ما طرح علامات استفهام عدة حول التوقيت وحول الشكل وحول الانعكاسات المستقبلية على البروتوكول والقضية المناخية نفسها.
كانت كندا بين الدول التي وقعت على البروتوكول منذ العام 1997، ملتزمة بخفض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة بنسبة 6% بين 2008 و2012 بالنسبة الى مستويات العام 1990. ولكن بعد 15 سنة على الالتزام ارتفعت انبعاثات كندا أكثر من 30% عما كانت عليه، بدل ان تنخفض! والسبب في ذلك كما يقول الخبراء، هو اكتشاف «النفط الرملي» في كندا (الذي اعتبر ثروة على الاقتصاد ومشكلة على البيئة لصعوبة استخراجه) بقدرة إنتاجية تبلغ الآن 1,5 مليون برميل يوميا والتي يمكن ان تصل الى 3,7 ملايين برميل العام 2025.
لم يكن انسحاب كندا من كيوتو مفاجئا، فقد أعلنت عن نيتها الانسحاب من المرحلة الثانية لكيوتو (2012-2020) منذ أربع سنوات، ولا سيما العام الماضي في مؤتمر كانكون، مع اعلان اليابان وروسيا واوستراليا عن نيتها الانسحاب أيضا. علما انها لم تلتزم كما يجب في المرحلة الأولى (2008 -2012)، كما أسلفنا.
في تبريره للقرار، قال وزير البيئة الكندي بيتر كنت «إن تكاليف وفاء كندا بالتزاماتها تبلغ 13.6 مليار دولار، أي 1600 دولار من كل عائلة كندية»، منتقدا الحكومة الليبرالية التي أقرته. وأضاف «بالرغم من التكاليف، كانت الغازات ستستمر بالانبعاث لأن الدولتين الأكثر تلويثا للجو، الولايات المتحدة والصين، غير ملتزمتين بالبروتوكول». معتبرا «أن اتفاقية جديدة تسمح لنا بخلق فرص عمل جديدة وتشجع النمو الاقتصادي ستكون الطريق الى الأمام».
يذكر ان الحكومة الكندية السابقة كانت قد وقعت البروتوكول ولكن حكومة المحافظين لم ترحب به، ما يطرح السؤال من جديد حول كيفية عقد الاتفاقيات الدولية وكيفية تصديقها من البرلمانات واحترامها.
السؤال الأول الذي طرح على المتابعين في العالم كان حول مدى قانونية هذا الانسحاب.
تنص المادة 27 من البروتوكول على إمكانية الانسحاب بعد ثلاث سنوات من التزام الدول بالبروتوكول. وتنص هذه المادة حرفيا، حسب الترجمة العربية المعتمدة في الأمم المتحدة، على التالي: «في أي وقت بعد ثلاث سنوات من تاريخ بدء نفاذ البروتوكول بالنسبة لطرف ما، يجوز لذلك الطرف الانسحاب من البروتوكول بإرسال إخطار مكتوب الى الوديع». وحسب المادة 23 من البروتوكول، فإن وديع البروتوكول هو الأمين العام للأمم المتحدة. بهذه البساطة يمكن التنصل من التزامات دولية حول أكبر وأخطر القضايا التي تواجه البشرية!
على أية حال، لا يتضمن البروتوكول، حسب مراجعتنا، أية بنود تتعلق بعقوبات أو تعويضات على الدول المنسحبة، وهذه ثغرة ربما يفترض مراجعتها في أي اتفاق جديد.
البعض يقول ان كندا انسحبت من البروتوكول ولكنها لم تنسحب من الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ التي ستبقى طرف فيها، وهي ستتابع بالتالي حضور اجتماعات الأطراف كل سنة، إلا أنها وجهت صفعة قوية للبروتوكول، كونه بحسب رأيها، لم يعد مجديا من أجل تحقيق الأهداف التي وضع من أجلها، علها بهذا الموقف تسرع في دفن بروتوكول ميت من أجل إحياء اتفاق أو بروتوكول جديد أكثر شمولا.
إلا أن البعض الآخر تخوف من ان يحدث هذا الانسحاب سابقة خطيرة، من المرجح كثيرا ان تتبعها دول أبدت نيتها بالانسحاب كاليابان واوستراليا وروسيا. وستشكل حجة إضافية للدول الملوثة الكبرى كالصين والولايات المتحدة الأميركية التي لم تكن ملزمة بالبروتوكول. وبالحصيلة تعتبر هذه الحادثة سابقة فعلا، تزعزع الثقة العالمية بالاتفاقيات العالمية ومدى احترامها. فما الذي يضمن بعد ذلك التزام الدول بخفض الانبعاثات؟ وما الجدوى من انعقاد الجولة 18 من المفاوضات نهاية هذه السنة في قطر في ظل ظروف اقتصادية وسياسية أكثر تعقيدا من العام 1997 عندما أقر البروتوكول الشهير في كيوتو!؟

Comments are closed.